مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

54

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

لقبح الفعل المتجرّى به عقلًا ، فيحكم بحرمته شرعاً ؛ للملازمة بين القبح العقلي والحرمة الشرعية ، خصوصاً وأنّ الشارع من العقلاء ، بل التعبير بالملازمة بين حكم العقل والشرع فيه مسامحة ؛ لكون الشارع سيّد العقلاء « 1 » . وأورد عليه : أوّلًا : بأنّ كشف الفعل عن سوء سريرة الفاعل وخبثه الباطني لا يوجب قبح نفس الفعل ؛ لأنّ قبح المنكشف لا يوجب قبح الكاشف ، كما أنّ حسن المنكشف لا يوجب حسن الكاشف ، فلا يكون الفعل قبيحاً ليحكم بالملازمة بين قبحه وحرمته الشرعية « 2 » . وثانياً : بأنّ الحسن والقبح أمران واقعيان ثابتان في لوح الواقع ، وهو أوسع من لوح الوجود ، وليسا أمرين تشريعيين . فحكم العقلاء لا يراد به سوى إدراكهم لهذه القضايا النفس الأمرية ، لا تشريعهم لها ، ولو فرض إرادتهم تشريعها فلا يوجب لدعوى الملازمة بين حكمهم وحكم الشارع بها ؛ لأنّ حكمهم إنّما يصدر عنهم باعتبار وقوعه في طريق المصالح التي يشخّصونها لحفظ نظامهم ، والشارع سبحانه خارج عن دائرة تلك المصالح ، وليس هناك ما يلزمه باتّباع أحكامهم والنظام الذي يختارونه لأنفسهم « 3 » . وثالثاً : بأنّ القبح العقلي المدّعى استلزامه للنهي الشرعي إن كان مختصّاً بالمتجرّي دون العاصي فهو غير قابل لمخاطبة المتجرّي به ؛ إذ بمجرّد مخاطبته بعنوان المتجرّي يلتفت إلى عدم مطابقة قطعه للواقع وينسلخ عنه هذا العنوان . وإن كان عامّاً شاملًا للمتجرّي والعاصي بالمعصية الواقعية ، بلحاظ صدق الهتك والجرأة على المولى في كليهما ، كان استلزامه للنهي الشرعي موجباً للتسلسل ؛ لأنّ التجرّي والمعصية لمّا كانا قبيحين عقلًا بحسب الفرض ، وقبحهما يستلزم الحرمة الشرعية ، ومخالفة هذه الحرمة قبيح عقلًا وقبحها يستلزم حرمة شرعية ،

--> ( 1 ) انظر : نهاية الدراية 3 : 28 - 30 . ( 2 ) مصباح الأصول 2 : 23 . ( 3 ) بحوث في علم الأصول 4 : 57 - 58 .